فتنة المحرقة
الثلاثاء, 01 مايو 2012 10:54

altalt

عتبر محرقة أمهات مراجع المذهب المالكي ( نص خليل بن إسحاق ، و شروحه ، و حواشي علماء مسلمين كبار كالدسوقي ، و مدونة إبن القاسم بأجزائها .. وما في كل تلك المؤلفات الثمينة من آيات القرآن الكريم و أحاديث النبي المكرم

 صلى الله عليه و آله وسلم) هي إحدى أكثر الجرائم الدينية و الأخلاقية صلافة وجسارة و غطرسة في هذا الجزء من ديار العروبة و الإسلام ( موريتانيا).. إذ من كان يتصور – حتى في مرائيه و مناماته – أن ينجب المجتمع الموريتاني ذات يوم بعض " أبناء " و " أحفاد " يكفرون بالرمزية التي تمثلها كتب المالكية ، وهي المذهب الإسلامي ، الذي أسسه إمام دار الهجرة ( مالك بن أنس ، رضي الله عنه ).. فما هو السبب " الحقيقي" لهذه الفعل الخارج عن ملة و معتقد المجتمع الموريتاني بجميع مكوناته ( عرب بيضا وسمرا وملونين ، و فُلاّناً و سوانكاً و ولفاً..)..؟

إن منفذ هذه الفعلة المنكرة في يوم الجمعة الماضي في مقاطعة الرياض بالعاصمة نواكشوط ، هو جماعة تسمى نفسها " الحركة الانعتاقية ( إيرا ) في موريتانيا "، و هي حركة فيما يبدو من خطابها أن مبرر نضالها هو مطالب حقوقية بحته تتعلق بمكافحة ما تتصوره من أوهام حول " عبودية " تمارس في المجتمع الموريتاني ضد إحدى الشرائح المهمة ( العرب السمر ، أو الأرقاء سابقا) ، و تعتبر هذه الحركة فيما يتم الترويج له عنها من أدبيات ، أن الرق لا يزال موجودا في موريتانيا و أنه " مبرر " دينيا ، و مادام المجتمع يدين بالمذهب المالكي ، فمعناه – بحسب فهمهم القاصر – أن المذهب السائد هو سبب و مبرر استمرار تلك الظاهرة المرفوضة ، لذلك وجب حرق كتب المالكية حتى يتم التخلص من العبودية ! و هذه دعاوي باطلة من جميع الوجوه ، و يكفي فقط لإظهار تهافتها و مجافاتها للمنطق السليم و العقل الحصيف أن مذهب الإمام مالك بن أنس ( المتوفي سنة 179 هجرية 796 ميلادية ، أي قبل أن توجد على الخريطة موريتانيا ، بترتيبات استعمارية فرنسية ، قبل أزيد من إثنا عشر قرنا ويزيدون ).. فهل جاهد و اجتهد الإمام العلامة في الفقه الإسلامي ليؤصل لظاهرة العبودية فينا ( إن كانت موجودة ؟)..وماذا عن انتشار المالكية في غرب ووسط افريقيا و في المغرب العربي و بعض دول الخليج و في صعيد مصر و السودان و بعض أجزاء ايران و في دواخل آسيا لدى بعض الاقليات الاسلامية ولدى المهاجرين المسلمين في الاتحاد الاوروبي و امريكا و استراليا و جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق...في كل هذه الأصقاع توجد المالكية مذهبا معتمدا و مرجعية دينية مستقرة ، و إذا كانت دعاوى حركة " إيرا" صحيحة فإن العالم كله يعاني من " عبودية المالكية!" ، و بالتالي كان الأحرى بهم النضال " عالميا" و تجنيد " الأمم المتحدة " و " أقوى و أقذر حلف عسكري في التاريخ = حلف الناتو الصليبي " من أجل أن يخلصوا البشرية من " عبودية المالكية!".. كيف يمكن تفسير " تواطؤ" كل هذه الدول مجتمعة و سكوت مجتمعاتها و شعوبها و نخبها الدينية و الفكرية على المالكية التي تبرر و تؤصل لظاهرة العبودية المشينة أخلاقيا و دينيا؟؟ و بعض هذه الدول يسافر اليها رئيس حركة إيرا ليحدث المؤتمرات " الحقوقية" عن عبودية المالكية ..سبحان الله! أم أن رئيس حركة " إيرا" يرى ما لا يراه الآخرون ..كل الآخرين !!؟؟!! إن حرق كتب المالكية بما فيها من قرآن كريم استشهادا و تأصيلا و الحديث النبوي مدارسة و تضمينا ، هو حرق للدين الإسلامي ( قرآنا و سنة ) ، ولا يمكن فهم تنفيذه إلا من متطرفي الرسوم المسيئة للنبي المكرم صلى الله عليه وآله ، أو من القس الأمريكي الذي حرق القرآن في كنيسته أمام وسائل الاعلام ، أو من الجنود الأمريكيين الذين يتبولون ، قاتلهم الله ، على المصحف الشريف و يمزقونه في افغانستان و في اغوانتانامو ( بشهادة الأسير السابق من السودان سامي الحاج..)..ولكن الذين يفعلون ذلك من المتطرفين غير مؤمنين ، ابتداء ، بالإسلام كدين سماوي ، فهل ما فعله رئيس حركة " إيرا" هو في هذ السياق من رفض للاعتقاد و الايمان بالإسلام ، و بالتالي يتنزل حرق أمهات كتب المالكية ، أمام وسائل الاعلام ، كتوطئة لإعلان رفض الاسلام الذي تشكل المالكية اجتهادا فيه؟؟!!؟؟ نحن ، لا نكره أحدا على الإيمان بالإسلام ..(( و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر ))..و لكن ليكن رئيس " إيرا" أو من يرى رأيه صريحا وواضحا ، و ليقلها مباشرة و دون تمهيد أو مواربة..أنه يرفض الاسلام دينا ( لاعتقاده أنه يكرس العبودية !) لكن رفض الاسلام ، وهو دين كل الشعب الموريتاني بجميع مكوناته ( بما فيه الفئة المتاجر بإسمها حقوقيا لدى دكاكين حقوق الانسان العالمية ) ، لا يسمح بإهانة مذهب هذا المجتمع و بهذه الخرجات " الاعلامية " الهابطة و المستفزة للمشاعر و المحرضة على العنف و الكراهية و الحقد ..فهل يسمح أي بلد ( مهما بلغت ديمقراطيته و إلحاديته ) بمثل هذه الأعمال المسيئة للرأي العام و المعتدية على المجتمع و مشاعره و معتقداته ..؟ أبدا.. لا يسمح أي بلد بذلك ، و مثل هذه الأفعال المشابهة تكيّف قانونيا بتهمة " الخيانة العظمى" و عقوبتها في كل الدساتير الاعدام أو السجن مدى الحياة في أحسن الأحوال .. أما في ديننا الاسلامي ، فإن عقوبة من يسعى في الأرض فسادا واضحة بلا تأويل.. (( إنما جزاء الذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض..الآية )) سورة المائدة 33 و لا يشك عاقل في أن الإقدام على حرق كتب دينية ، حتى ولو كانت أرضية و ليست سماوية ، هي محل توقير و اعتقاد لدى العامة ، من طرف أشخاص هو عمل يقود بالضرورة و التبعية إلى حدوث مشاكل و قلاقل قد تشكل بذرة للإفساد في الأرض المشار إليه في الآية الكريمة ، و عقوبة ذلك العمل أيضا أوضحته الآية بكل جلاء. إن الدين الإسلامي ( بجميع مذاهبه الفقهية ، و المالكية أحدها ) لا يكرس ولا يبرر للعبودية بأي حال من الأحوال ، إلا بالنسبة لبعض أرباع الباحثين المستشرقين و الدارسين للاسلام في الغرب الجاهزون بأحكامهم المسبقة ، فهؤلاء لكي يبرروا لأنفسهم عدم الاقتناع بحجج الدخول في الاسلام الواضحه ، يلجأون إلى حيل وشبهات شتى إرضاء لنوازع نفسية لديهم بعيدة عن التحليل العلمي الموضوعي للإيمان بالدين .. و الإنصاف و الموضوعية يقتضيان القول إن العبودية ، كظاهرة ، انتشرت في كل المجتمعات الإنسانية ومنذ المدنيات القديمة ( افلاطون في جمهورية المثالية يبرر لبقاء العبودية في المجتمع ).. و استمرت في التلاشي مع الزمن منذ نهاية القرون الوسطي ، و انحسرت بشكل ملموس في العصر الحديث ، بعد ظهور الدول الحديثة و التواضع على تأسيس القانون الدولي و القانون الدولى الإنساني ، و غيره من المعاهدات و المواثيق ، التي وضعت من قبل " ممارسي " العبودية على المستوى الدولي ، الذين كانوا يجلبوننا ( كعرب و أفارقة و آسيويين ) و يستعبدوننا سخرةً لبناء مدنهم و طرقهم و مطاراتهم وموانئهم و تشغيل مصانعهم ، و من كان منا يتعب ، أو يكلّ ، كان يرمى في البحر للحيتان بكل بساطة ، أو يموت دون رحمة أو شفقة !! و لا تزال الآثار شاهدة في تلك الدول و العوالم على ظاهرة العبودية الشنيعه وذلك في ترتيب سلم المجتمع وفئاته غصبا عن القوانين و الأنظمة، كما أن تلك المجتمعات " المتحضرة جدا" مسكونة ، حتى الآن ، في عقلها الباطن بممارسة العبودية بــ" أشكال أكثر إبداعا و تدجيلا و تزييفا! " و ليست العقلية الامبريالية المتغرطسة في استباحة الدول الأخرى و نهب ثرواتها و التدخل في شؤونها ( تحت أية عناوين مخادعة ) إلا ممارسة فجة و ظالمة للعبودية على المستوى العالمي ، و ليس احتكار " حق النقض = الفيتو" من بعض الدول ( خمسة فقط ) دون العالمين ( أكثر من 185 دولة ) إلا عقلية تؤمن بالعبودية السافرة ، و ليس حرمان بلدان الجنوب من المعرفة و التقانة إلا نوعا من عبودية احتكار التقدم و الايمان بأنهم ( في الغرب و فضائه ) خلقوا للتنمية و التقدم و خلقنا للتخلف و الرجعية و الجهالة ..! بهذا المعني ، ما زال منهج العبودية سائدا في العلاقات الدولية ، و هذا ما يتطلب تضافر جهود كل المؤمنين بالعدالة و الحرية و المساواة ، على المستوى العالمي ، من أجل تخليص الضمير الإنساني من هذا العار و الشنار..! هذا هو النضال المتعيّن على الحقوقيين الصميميين ، إذا كانوا صادقين في شعاراتهم التي يرفعونها صباح مساء..و لمثل ذلك فليعمل العاملون ، أما الانحراف بالنضال عن جادته و موضوعه ، فهو تلبيس و تدليس مصيرهما الانكشاف ولو بعد حين .. إن " آثار" أو مخلفات العبودية ، إذا كانت لا تزال في بعض الحالات هنا أو هناك في بلادنا ، بأية صورة من الصور في نظر البعض ، هو مسألة مشينة حقا ، وغير قانونية ، و جريمة قانونية منذ الاستقلال ، و بحسب التعديلات الدستورية المعلنة مؤخرا.. و القضاء على تلك الآثار في العقليات و المسلكيات هو نضال وعي فكري و ثقافي و جهد تنموي حقيقي و جهاد مقدس يجب القيام به من كلّ مكونات النخبة الوطنية و النظام الحاكم أيا كان ، و الطبقة السياسية موالاة و معارضة ، و ليس موضوعا للمرابحة أو المزايدة أو المناقصة السياسية ، فمن المعيب – حقا و صدقا - على القوى السياسية أن تتاجر بذلك و تجعله موضوعا للعبها السياسي ومناوراتها التكتيكية ضيقة الأفق ، لما فيه من إضرار بوحدة المجتمع وتماسكه من الناحية الاستراتيجية .. إن فتنة المحرقة ، لا تفيد إلا أعداء موريتانيا و المتآمرين عليها سرا و علانية ، و يجب أن تكون فرصة ، و إنذارا ، وعبرة ، على الجميع أن يوظفها لتعميق الوحدة الوطنية بين بياض العين و سوادها ، وسانحة لقطع الطريق على الذين يسارعون في فعل الفتنة و لا يتقونها ، ربما لعدم إيمانهم بما ورد في الآية الكريمة ..(( و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة و اعلموا ان الله شديد العقاب)) سورة الانفال 25 ..صدق الله العظيم .. أما أغلبية الشعب الموريتاني المؤمنة بالقرآن الكريم و السنة الصحيحة وما فيهما من خير و فلاح في العاجلة و الآجله ، فإنهم سيتذكرون ، و الذكرى تنفع المؤمنين ، أن من واجبهم الحفاظ على بيضة موريتانيا وتلاحم مجتمعها و مذهبه المالكي و عقيدته الأشعرية ..وكل رموز وحدته ..و بذلك يسدلون ستار الخزي و العار على تجار الفتن و إقطاعيي الحروب ومصاصي الدما

 

 

بقلم – الدكتور أحمد ولد نافع باحث و أستاذ جامعي ahmedonava@yahoo.fr

 

كود امني تحديث

استطلاع

هل تتوقع نجاح الحوار بين النظام والمعارضة؟
 

البحث

فيديو