الحراطين والبيظان يسلكون مسلكين مختلفين متعارضيين، والمساواة وحدها قد تجعلهما يلتقيان (مقابلة)
الثلاثاء, 23 يوليو 2013 09:05

altaltفي مقابلة حصرية مع صحيفة "آفريكوم.أورغ"، يعود رئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية، بيرام ولد الداه ولد اعبيد، إلى الحديث عن

التزامه النضالي، والصعوبات التي تعترض حركته، والميثاق الأخير الذي نشره الحراطين، وما كان من لقائه بالرئيس أوبوما في دكار.  

آفريكوم: وجودكم في دكار يصادف وجود أوبوما فيه، فهل أن إيرا أصبحت تنحو منحى دبلوماسيا؟  

بيرام: لقد نمت دبلوماسية إيرا في وسط عصيب خاص. وفي هذا الظرف سجلت إيرا نقاطا مهمة لأن مقاومتنا القائمة على القانون الدولي شغفت الموريتانيين المنحدرين من الطبقات المهمشة وكذلك المثقفين.

وقد نالت احترام الهيئات الدولية والمنظمات غير الحكومية والبعثات الدبلوماسية. إن وجودي في دكار يهدف إلى إحياء ندوة ينظمها فرع إيرا بالسينغال بالإضافة إلى أجندات أخرى من ضمنها زيارة الرئيس الأمريكي المهمة بدورها.  

آفريكوم: هل ثمة لقاء لك مع الرئيس الأمريكي؟

بيرام: أعتقد أنه عليّ في المرحلة الحالية أن أحافظ على صمتي حتى تنتهي زيارة الرئيس الأمريكي.  

فريكوم: ما هي الصعوبات التي تعترض إيرا ميدانيا هذه الأيام؟

بيرام: إيرا تعترضها صعوبات جمة على الميدان. لكن لحسن الحظ  أن الخناق اتـّسع حول إيرا. وفعلا فقد كسبت إيرا معركتها بخصوص قدسية فقه الاسترقاق والنظم المقوننة لبيع الرقيق والكتب الاسترقاقية بموريتانيا. هذه المعركة، التي اتسمت بالصعوبة، فرضت علينا الحبس ومصادرة الحرية والعزل الذي هو من أصعب تلك الإجراءات، إنه توقيف عنيف جدا تآزرت عليه قوات النخبة والشرطة والجيش الموريتاني فأحاطوا بالحي كله ورشوا الحي الذي أسكنه بمسيلات الدموع والقنابل الصوتية وتارة بالرصاص الحي.

وهكذا قاموا بعملية استخدموا فيها القوة المفرطة لبث الشك لدى السكان المتواضعين في رؤية الأمل يتراءى في الأفق من خلال التزام ونشاط إيرا.

أعتقد أن هذه المعركة كشفت عن حملة شيطنة دولية من قبل الدولة الموريتانية. هذه الحملة المرعبة غير المسبوقة، تم إحباطها بعزائمنا. بيد أن المعركة انتهت بكسبنا لها من خلال الجوائز الدولية التي كان آخرها جائزة مدافعي الخط الأمامي التي منحت لي يوم 3 مايو المنصرم من قبل الرئيس الإرلندي. هذا الامتياز هو أفضل تشريف يمكن أن يحصل عليه مناضل حقوقي.

إنه اعتراف دولي، قضاته دوليون، أما المانحون والداعمون، كالاتحاد الأوربي والقوى الديمقراطية العظمى، فليسوا بأقل شأنا في هذا المضمار.

يمكن أن أقول بأن الخناق اتسع بالفعل حول إيرا. ورغم كل هذا، وخاصة رغم شعبيتنا الكبيرة في العالم، تظل إيرا محرمة من قبل السلطات الموريتانية، وتظل نشاطاتنا وتعاوننا مع الهيئات الدولية والدول محدودة جدا بسبب غياب الاعتراف.

الصعوبات كثيرة في موريتانيا بحيث أن المجموعات المهيمنة بنت نمط حياتها على العبودية والافتراس بحقوق الانسان، واسمة الدولة بطابع عنصري واسترقاقي.

هذا النظام يُبقي جزءًا كبيرا من المواطنين في سلاسل العبودية و/ أو التهميش على خلفية لون البشرة والمولد. كل ما قلته يمثل، من بين أمور أخرى، صعوبات جمة يجب تجاوزها ذات يوم. ومن أجل بلوغ ذلك هناك عمل يجب القيام به يوميا. وهو ما تفعل إيرا.

اليوم تمسك الأقلية العربية البربرية كل السلطات السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية والدينية في موريتانيا. هذا الكيان المصطنع لم يصرم حبل التضامن بشأن الممارسات الاسترقاقية بالرغم من نشاطاتنا الموجهة له ولبقية المجموعات...

هذا الحشد المتماسك مخدر دائما بالامتيازات غير الشرعية الناتجة عن واقع الأشياء ذي الطبيعة العنصرية. إن امتيازات من هذا النوع تم نسجها بالنار والدم والرعب على الأكتاف النازفة للحراطين والسود.  

آفريكوم: كثيرا ما تقولون أنه يجب قطع رؤوس الثعابين: المعارضة التقليدية والنظام. أترون أنه ثمة طريق ثالث؟  

بيرام: بالتأكيد. لقد اخترعت إيرا طريقا ثالثا. أعتبر أن المعارضة والنظام السياسي تمخضا عن ذات النظام. إنهم وجهان لعملة واحدة. وأعتبر أن تناقضاتهم ليست إلا شجار أطفال مدللين حول إرث غير شرعي.

أرى أنهم يستخدمون نفس الآليات ونفس الخطاب القائم حول إجماع على رفع الكتب التي أحرقناها يوم 27 ابريل 2012 إلى مرتبة القداسة.

هذا العمل الرمزي أثار لديهم، وضدهم، غضبا عارما.  هناك ممرات وطرق تمت تنقيتها بشجاعة وإصرار أعضاء في إيرا على تحدي العقبات بغية كسر سلاسل العبودية داخل الضمائر.

الدولة، في خطوطها العريضة، تخدم حتى الآن مصالح استرقاقيي وظلاميي القرن الحادي والعشرين حول المعتقد الديني الذي يحمل ليُّ عنقِه، وحتى صناعته، الإرادة البينة الساعية لإقامة اللامساواة بين المسلمين. لا فرق بين المعارضة لكلاسيكية والنظام: الدولة الموريتانية تظل حصريا في خدمة الأقلية العربية البربرية.

إنكار العبودية، الأحكام العرقية المسبقة ضد السود، الاستيعاب القسري للحراطين، تلك هي التمظهرات اليومية، المتفهة، لهذا التمييز. أعتقد أن التوزع بين النظام والمعارضة يدخل ضمن تواطؤ ضروري لسرمدية النظام بعيدا عن الخلافات الشكلية. لا فرق أبدا بين الحاج موسى وموسى الحاج. فبالنظر عن قرب نجد أن كل الأشخاص المعروف ارتباطهم بالعنصرية والعبودية يوجدون في المعسكرين (معسكر المعارضة ومعسكر النظام). وأيديولوجيًا فإن العلاقة بين المعارضة والنظام في موريتانيا تـُرادف التعارض حول الملحقات الكمالية، وهي في الحقيقة إجماع حول العمق: السلطة المادية والقيادة الروحية يملكهما، وجوبا وواقعيا، عرق البيظان، ولا يؤثر في ذلك كونهم أقلية.  

آفريكوم: ما هو موقف بيرام من ميثاق الحراطين الصادر 29 ابريل؟ لقد خرجتم من القاعة بسبب خلاف مع بعض الفقرات. ما حقيقة ذلك؟  

بيرام: لقد شاركت في تحرير الوثيقة باسم إيرا. وقمنا بتحريرها حسب رؤية يمكنها أن تشكل قطيعة وتجديدا. لكن المفاجأة الكبرى، حين كانت الوثيقة تـُقرأ في القاعة، تبين أنها عرفت تعديلات، لقد تبدلت وتعرض جوهر الخطاب لضربة موجعة. وتحول من ميثاق للحراطين إلى ميثاق للبيظان. إذن هو بيان للمجموعات المهيمنة؛ لأنني أحسست، ثم رأيت، بصمات أكثر مداحي نظام ولد عبد العزيز تألقا.

إنهم أشخاص معروفون بشهادة الزور أُدخِلوا عنوة داخل نسيج الحراطين بغية محاربة مناهضي الرق وزرع الشقاق. لقد رأيت أمامي فيلقا من منسقية المعارضة وأشباه مناضلين انعتاقيين رغم أنهم لا يترددون، في منافستهم للنظام الحالي، في مساندة الاسترقاقيين إذا تطلب الأمر. إذن، آخذ على مثل هذه الوثيقة تحييدها للشحنة الإصلاحية ضد الفقه الاسترقاقي والنظم الاسترقاقية وكتب النخاسة والعنصرية التي أحرقناها. 

آخذ على هذه الأوراق الباهتة أنها تجعل الحراطين في صف المجتمع العربي الموريتاني. بالنسبة لنا فإن هويتنا الجمعوية التي هي في آن واحد إفريقية-عربية-بربرية إسلامية تلخص حقيقتنا أكثر من التوريث الخاص الاستثنائي للظلم الذي واجهناه عبر القرون. وإنه لمن المَسَبّة والإهانة بمكان أن نـُـختزل في تاريخ الأسياد، ونجمد كزائدة دودية في ما يخصهم من آنتروبولوجيا.

   الحراطين والبيظان يسلكون مسلكين مختلفين متعارضيين، ووحدها المساواة قادرة على جعلهما يلتقيان يوما ما.

إننا لا نقبل البتة هوية تفرض بقرار سياسي يتخذه جلادونا السابقون الذين يسعون دائما إلى اقتناء أغلبية مفتعلة في موريتانيا لتبرير احتكار السلطة وإخضاع باقي المجتمعات. نرفض جعل الحراطين أداة ومن ثم التلاعب بهويتهم.  

ومن المؤسف حقا أن الوثيقة أيدت هذا المعتقد الكبير لدى أنظمة المجموعات المهيمنة التي تستغل الحراطين. إننا نأخذ على هذه الوثيقة كونها لم تركز على الرق. بل ركزت على مخلفات الرق، إذن هي وثيقة انتهازية.

هذا الانجراف يحمل ميسم أطر وحركات الحراطين الانتهازيين، نشطاء وأطر مجرد متعلمين حلـُـموا باكرا بأنهم ثوريون. بعضهم يغذي، منذ عقود، تربة الانتهازية في موريتانيا. إن ما يؤذي من السفالة هو النخبة التي تتاجر باسم الآخرين بتمزيقها أمل الطبقات المحرومة العَـزْلاء. أعتقد أن كفاح الحراطين لا يمكن اختصاره في إنتاج الوثائق.

إذا كانت تلك الوثيقة بالفعل وثيقة للحراطين فمن اللازم أن تركز على كفاح الحراطين على الميدان وأن تعترف، مثلا، بالدور البارز لإيرا ومنظمات أخرى انعتاقية ومناهضة للعنصرية في موريتانيا. إن السعي إلى القطيعة يجب أن يكون واقعيا ومُنـَـظـّرا له. فمن خلال وجهة نظري المتواضعة لا شيء يمكن فعله غير الكفاح ضد كل أشكال الهيمنة.

لا يمكن أن أستسيغ أن أطرا ومنظمات يقبلون بأن يصبحوا ناطقين باسم مجتمع فيما لم يعطوا أي جزء من وقتهم ولا أية تضحية للدفاع عن المُـثـُـل المطالب بها بصخب. أقول بأن الوثيقة اختطفت من قبل المجموعات المهيمنة سواء من النظام أو من المعارضة.

لذلك انسحبت وقلت: حظا سعيدا لمن واصلوا إذا استطاعوا النجاح في الكفاح لصالح أولئك الأكثر خنوعا دون أن يسلكوا الدروب الحقيقية المؤدية إلى الحرية. أضف إلى ذلك أن الوثيقة أيدت دعاية متعلقة بانقلاب 1987 الذي دبرته افلام حسب الرواية الرسمية.

بيد أن هذا يدخل ضمن الكذب المخجل لنظام أحادي أنكر حتى وجود مجتمع وبرر قمع الزنوج خلال سنوات 87-89. في سنة 1987، لم تكن هناك انطلاقة حقيقية لتنفيذ انقلاب عسكري. يجب أن نكون صادقين. بعض الضباط السود فكروا في أخذ السلطة، فقط ليس إلا. واعتبر أن حركة أفلام كانت بعيدة من هذا الانقلاب المبرمج.  

آفريكوم: تعتقد أن على الموريتانيين الخضوع لعلاج اجتماعي؟  

بيرام: بالتأكيد أننا نحتاج إلى علاج اجتماعي بكل معاني الكلمة. يجب علينا أن نعيد بناء الدولة الموريتانية.

كل الأسلاك يجب إعادة بنائها: سلك الإداريين، ضباط الشرطة القضائية، العلماء  صنعة سيادة رؤية مجتمعية بالية. هناك أيضا الكيانات التقليدية، القبائل، الطوائف التي تشكل مستودعا لأيديولوحيا الهيمنة، مستودعا لنظام قـيّـم مناقضة لمعايير حقوق الانسان والديمقراطية، والذين ما يزالون كنزا قويا متحالفا مع الدولة للحفاظ على مصالحهم.

يجب علينا أن نشفي أحفاد الأسياد من عقدة التفوق الجيني، وأن نهشم الذاكرة القبلية من خلال تمازج الأجناس وزواج الأباعد الذي يعتبر مفهوما يثير رعب جل البيظان لأنه ينحو إلى إتلاف الأساس الجيني للهيمنة.  

أجرى المقابلة مولاي إسماعيل كيتا وإسماعيل حيدره/ دكار  

كود امني تحديث

استطلاع

هل تتوقع نجاح الحوار بين النظام والمعارضة؟
 

البحث

فيديو