قادة المسلمين وقادة الغرب (ح 4)
الجمعة, 15 مارس 2013 06:46

ذبونا ولد الحسنذبونا ولد الحسن

كانت الحلقات تطمح لوضع تصور عام عن الدور المطلوب أخذا بالاعتبار تحديات المرحلة استنادا على دراسة لا تهمل مجمل الوقائع التاريخية والتصورات العامة وما صادفها من تحديات ميدانية في

 مختلف المجالات، غير أن ظروفا حالت دون استكمال ذلك التصور.

إن تلاحق الأحداث أعاد إلى أذهان كثيرين المخططات التي حيكت عبر القرون ضد الأمة العربية والإسلامية وما يحيكه الأقوياء بصفة أشمل ضد المستضعفين. وربما يكون للذكرى وقع على النفس. ففي حقب غير بعيدة كانت الأمة العربية حين ينادي قادتها تصغي لهم قارات بأكملها. اما صوت الامة اليوم فليس له من صدى الاما وافق تصورا يعده لوبي متحكم في القوة (العظمى) أستغفر الله، العظمة لله – مصطلح درج الناس على استعماله.

فقصارى ما يحلم به اللوبي الصهيوني المتحكم في الغرب هو انصراف الجهود العربية والإسلامية لفتنة داخلية لا تبقي ولا تذر. فعلى حقب ممتدة ظلت القوة المعادية تسعى لتخطيط محكم خلاصته أن الوعي هو القاطرة التي يمكن أن تجر كل رافد قابل لأن يكون سندا لقوة ما، وتوجيه هذا العقل أو الوعي كفيل بأن يجعل أعتى قوة عالمية وأكثرها إمكانيات قوة مترهلة تعيش على ماضي "ما كان في المستطاع أن يكون" فالولايات الامريكية أو الدول المجتمعة في "دولة امريكية" حين تبدأ بينها حرب أهلية لن يقتضي الأمر أكثر من ثوان لمحوها من الخريطة، وذلك بفعل ما وصلت إليه من تقدم في مجال الدمار وما وصلت إليه هذه الولايات من مستوى تقني وعلمي خولها التحكم بالقوة في مصائر الأمم. وهذا رادع يجعل اعمال العقل قبل التصرف مطلوبا بالحاح . اما عالمنا فيعتبر حقلا للتجارب , مختلف انواع التجارب,واذا لم تكن اسباب الفتنة ماثلة فمراكز التخطيط والتنفيذ قادرة على خلق الاداة ,والمساهمة في التنفيذ عند الحاجة.

استخلاص الدرس من الحروب الاهلية يكفي منه القاء نظرة على تاريخ غرناطة واخواتها والقاء نظرة من زاوية اخرى على تاريخ الهنود الحمر وما عانوه من قتل وتشريد وإبادة بحجة المدنية والحضارة يعطي تصورا عن الاسس الاخلاقية لحضارتهم,رائدة الفتن عندنا . ومع ذلك لا يزال الغرب قبلة يؤمها كل راغب في "أخذ المنهاج الصحيح السليم" لبناء .حضارة لها قيم إنسانية تراعي حقوق الإنسان إلى جانب حقوق الحيوان. الواضح من التجارب أن التخطيط والعقل والتنفيذ هي الأسس الصالحة لبناء حضارة إنسانية لها قيم قابلة للتعميم، غير أن السؤال المطروح هو موقعنا في الترتيب العالمي الآن في مختلف المجالات وموقع غيرنا من الأمم الأقل ثروة مما هو متوفر لدينا، والأحدث عهدا بالحضارة ثم ماهو دورنا في مطلع هذا القرن وماذا قدمت قياداتنا الفكرية قبل السياسية؟وما ذا فعلت القيادات الروحية حيال استباحة الغرب لعقولنا قبل اجسادنا وثرواتنا؟.

قد كان النصف الثاني من القرن الماضي عصارة وعي تشكل نتيجة تضافر جهود كثير من المفكرين المخلصين المدركين لحقائق ما ينبغي أن تكون عليه العلاقات بين الدول وبين الشعوب وبين الأمم، فقد كانت حركة عدم الانحياز، على سبيل المثال, منبرا تمكن قادة المسلمين فيه من جمع كل أو كثير من أحرار العالم والدول الراغبة في الاستقلال والمؤيدة لحقوق الشعوب العادلة، وربما يستحضر البعض بمناسبة أحداث مالي الجارية أن موديبوكيتا بعثته حركة عدم الانحياز سنة 1961, على ما أذكر, صحبة سوكارنو ليوجه أمرا واضحا للقوة العظمى ساعتها ,الاتحاد السوفياتي برآسة خرتشوف وامريكا برآسة كندي، مقتضاه أن عليهما أن يكفا عن السباق النووي ويتجها إلى ما يخدم السلم العالمي، كانت تلك الرسالة نتيجة جهود قادة الأمة الإسلامية والعربيةا ودلالتها الرمزية إضافة لما أدت من نتائج إيجابية تنم عن عمق تفكير وتدبير. وفي نفس السياق كلف عبد الناصر تيتو بتمثيل مصر وبقية الدول العربية في شرح أهداف عدم الانحياز لكثير من الدول الافريقية وغيرها ولذلك الحدث دلالة لا تقل أهمية.

خلال تلك الفترة كان بن غوريون الذي يلتقط بأذناه الحساستان كل تقدم أو نبض أو إشارة تصدر عن قادة العرب أو المسلمين أو زعماء العالم الثالث, ويخطط ويعمل متمشيا مع المستجدات قصد كبح جماح جيل الثوار العظام من أمثال عبد الناصر وغيره ممن يستطيع جمع قوة مؤثرة محليا ودوليا، ويحضرني هنا أن أحد الاشقاء العرب جاء لاجئا لمصر وسأله عبد الناصر مرة في حديث ودي : يا أخي كيف تسنى لك أن تدفع مبلغا كذا من أجل قتلي؟ فرد عليه أخجل من أن أقول لك أن المبلغ يضاعف المبلغ الذي قلت.

إن (إسرائيل) لا تستهدف عبد الناصر ولا حسن نصر الله ولا غيرهم لذواتهم وإنما لما يحملونه من فكرمساعد على نصرة الحق الفلسطيني والعربي وفي كل الأحوال يجب أن يظل هذا الكيان المزروع سوطا يلهب ظهر المنطقة وقوة متحفزة تضرب عند الحاجة وتخطط في أوقات الرخاء مدعومة بكل الثروات العربية.

حاصل القول أن التخطيط قد لا يكون منظورا والمكائد أخطر حين لا يكون إدراك مآلات الأمور هدفا أصلا عند الضحايا، فالغرب لديه مراكز للتخطيط والتنفيذ ونحن لدينا مراكز للتحنيط والمحافظة على على سلبيات"الموجود"، ولنأخذ مثالا من تخطيط وتدبير الغرب: فالجهد الآن منصب على إقناع المواطن العربي أن حزب الله الذي كان بالأمس المناضل الأمثل والمقاتل الواقف بما لديه من قوة أمام الغطرسة الغربية، أصبح الآن في نظر ضحايا الاعلام الغربي في ثوبه العربي, هو الواقف ضد حرية الشعوب والداعم للطغيان والاستبداد! سبحان الله، قد نجح الاعلام "العربي الغربي" في التحليق بأذهاننا وقناعاتنا بعيدا حتى أدرك أننا أمة فقدت بوصلتها ولم يبق لها منطق ولا أخلاق تردع عن صهرنا في بوتقة واحدة مع ما كان يعتبر حلما لدى الصهيونية العالمية. استطاع هذا الإعلام أن يزعزع الثقة والصورة التي خلق المقاتل اللبناني ممثلا في حزب الله، استطاع هذا الإعلام أن يقنعنا, من باب إطلاق البعض على الكل، إن عدونا الأول هو الشيعي وليس الصهيوني، إن من يدعم (إسرائيل) ويحافظ على تفوقها هو إيران وليس الغرب.

تتوالى المخططات ونحن غافلون ...

ليس عهدنا بالمؤتمر الذي ذهب منه رئيس مالي حاملا رسالة بلهجة واثقة للقوة العظمى، ببعيد. في مالي قوة إسلامية قادرة على التلاحم مع بقية أحرار العالم وإزعاج المستعمر المحتل ولا بد أن يكون لذلك ثمن... العهد الذي ذهب فيه تيتو يمثل بلده ومصر، ليس ببعيد.

إن رد فعل القوة العالمية المتربصة لم يتأخر فبدلا من مد البصر عبر القارات لجلب الأصدقاء والاستعانة بأحرار العالم والمؤمنين بالقضايا العادلة اصبحنا امام فتن كبرى، لم تعد (إسرائيل) هي العدو الأول، وبدلا من التوجه لنشر الرسالة السماوية السامية، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم والحوار مع أهل الكتاب وتبين الإسلام على وجهه الصحيح، لم يعد كل ذلك هدفا، فالهدف أصبح هو الحرب بين سني وشيعي ... ذاك صدام في الظلام ننجر إليه معصوبي العقل والأعين راضين بلعب الدور نيابة عنهم، ولم يكن هانري كسنجر مخطئا حين قال لأحد محدثيه من أعوانه أبعدوا الاتحاد السوفياتي عن أزمة الشرق الأوسط تفاديا للتوازن ولكن احتفظوا لهم بمكان للتوقيع، فرد محاوره ما الذي يدفعهم إلى القبول بهذا الدور المهين وكان الجواب جاهزا لدى وزير خارجية أمريكا حين قال: دع الأطراف يجعلونهم في تلك المرتبة.

لهذه القصة كثير من الدلالات اقتصر منها على أن مراكز الدراسات في الغرب لديها استراتيجية محكمة ومفهومة خلاصتها أن ما يمكن أن يقوم به جيش غربي يمكن أن يقوم به مواطن عربي مقتنع بدوره مستريح ومرتاح بما كلف به.

بقلم: بونا ولد الحسن (يتواصل)

كود امني تحديث

استطلاع

هل تتوقع نجاح الحوار بين النظام والمعارضة؟
 

البحث

فيديو